الصوفيون المسلمون وجاذبية القدس
رمزية القدس الروحية ((قداسة المكان)) - شمس الدين الكيلاني
دراسة ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق -
تمهيد
منذ بداية ظهور حركة التصوف الإسلامية، انجذب أصحابها بقوة إلى القدس، لما حملته تلك المدينة في المخيال الاجتماعي الإسلامي، وفي الضمير الإسلامي من معان عميقة للقداسة، وهو ما دعاهم إلى التقرب منها، والارتحال إليها، للتبرك في مشاهدها، ورموزها المبجلة، ولم يتفرد المتصوفة في هذا التقرب إلى بيت المقدس، وإن كانوا قد أعطوا لتقربهم هذا سمات خاصة، عكستها طريقة فهمهم الخاص لمعاني القداسة التي حملتها العقيدة الإسلامية تجاه القدس، والطرائق الطقسية التي مارسوها في إرباطهم حول الأماكن المقدسة الإسلامية في القدس، وخاصة حول الصخرة الشريفة، التي ارتقى (عرج) النبي ( من فوقها إلى سدرة المنتهى، إذ أعطى هؤلاء المتصوفة لمنظومة الجغرافية المقدسة الإسلامية، التي تقف القدس في قلبها، معاني جديدة، عمقوا فيها المعاني المقدسة الإسلامية المحيطة بالقدس، وأضافوا إليها معاني ورموزاً خلاقة، وذلك تبعاً لطريقتهم، التي استهدفت "الكشف" والاتصال بالتعالي، فرأوا في القدس وفي المسجد الأقصى، وبشكل خاص الصخرة الشريفة، بوابة الاتصال بالسماء.
وباستثناء تلك المعاني الخاصة، والطقوس المتمحورة حولها، التي ابتدعها المتصوفة، كان هناك قاعدة عامة من الرموز المقدسة اشترك فيها المسلمون، شكلت جزءاً من ضميرهم الديني الإسلامي دعاهم جميعاً لتبجيل القدس، وإلى التقرب منها، للتبرك في مشاهدها المقدسة، لهذا تقاطر الصحابة والتابعون والأتقياء، ومن استطاع من عامة المسلمين، لزيارة القدس. ولقد قدم لنا ياقوت الحموي (ت 626هـ ـ 1229م) صورة مكثفة عن المعاني التي حملها المسلمون في ضمائرهم الدينية للقدس، جاء فيها: "القدس في اللغة المتنزَّه… ومعنى نقدِّسُ لك: أي نُطهِّر أنفسنا لك… ومن هنا بيت المقدس: أي البيت المقدسُ المُطهِّر الذي يُتَطهر به من الذنوب… وقال قتادة: المراد بأرض المقدس أي المبارك…
وفضائل بيت المقدس كثيرة، ولا بد من ذكر شيء منها حتى يستحسنه المطّلع عليه، قال مقاتل بن سليمان: قوله تعالى: (ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين( (الأنبياء: 1) قال: هي بيت المقدس، وقوله تعالى لبني إسرائيل (وواعدناكم جانب الطور الأيمن( (طه: 80) يعني بيت المقدس، وقوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين( (المؤمنون: 50) قال البيت المقدس، وقال تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى( (الإسراء: 1) هو بيت المقدس، وقوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه( (النور: 36) البيت المقدس.
وفي الخبر (أي الحديث) "من صلى في بيت المقدس فكأنما صلى في السماء". ورفع الله عيسى بن مريم إلى السماء من بيت المقدس، وفيه مهبطه إذا هبط، وتُزف الكعبة بجميع حجاجها إلى بيت المقدس، يقال لها مرحباً بالزائر والمزور، وتزف جميع مساجد الأرض إلى بيت المقدس، أول شيء حُسرَ عنه بعد الطوفان صخرة بيت المقدس، وفيه ينفخ في الصور يوم القيامة، وعلى صخرته ينادي المنادي يوم القيامة، وقد قال الله تعالى لسليمان بن داوود عليه السلام، حين فرغ من بناء البيت المقدس: سلني أعطك، قال: رب أسألك أن تغفر لي ذنبي، قال: لك ذلك، قال: يا رب وأسألك إن تغفر لمن جاء هذا البيت يريد الصلاة فيه، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولد، قال: لك ذلك، قال: وأسألك من جاء سقيماً أن تشفيه، قال: ولك ذلك.
وعن النبي ( أنه قال: لا تُشدّ الرحال إلاَّ إلى ثلاثة مساجد، مسجدي هذا، والمسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس، وأن الصلاة في بيت المقدس خيرٌ من ألف صلاة في غيره، وأقرب بقعة في الأرض من السماء بيت المقدس، ويُمنع الدجال من دخولها، ويهلك يأجوج ومأجوج دونها، وأوصى آدم عليه السلام أن يُدفَنَ بها، وكذلك إسحاق وإبراهيم، وحُمل يعقوب من أرض مصر حتى يدفن بها، ووصى يوسف عليه السلام، حين مات بأرض مصر أن يحمل إليها، وهاجر إبراهيم من كوثي إليها، وإليها المحشر والمنشر، وتاب الله على داوود بها، وصدق إبراهيمُ الرؤيا بها، وكلّم عيسى الناس بالمهد بها، وتُقاد الجنةُ يوم القيامة إليها، ومنها يتفرق الناس إلى الجنة أو إلى النار، وروي عن كعب أنَّ جميع الأنبياء، عليهم السلام، زاروا بيت المقدس تعظيماً لـه… وعن ابن عباس قال: البيت المقدس بنته الأنبياء وسكنته الأنبياء، ما فيه من موضع شبر إلا وقد صلى فيه نبيٌ أو قام فيه ملك، وعن أبي ذر قال: قلتُ لرسول الله (: أي مسجد وضع على الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام، قلتُ: ثم أي؟ قال: بيت المقدس، وبينهما أربعون سنة.
وعن الفضل بن عياض قال: لما صرفت القبلة نحو الكعبة قالت الصخرة: إلهي لم أزل قبلةً لعبادك حتى إذا بعثت خير خلقك صُرفَت قبلتُهم عني؟ قال: أبشري فإني واضع عليك عرشي، وحاشرٌ إليكِ خَلقي، وقاضٍ عليكِ أمري وناشر منه عبادي، وقال كعب: من زار بيت المقدس شوقاً دخل الجنة، ومن صلى فيه ركعتين خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأعطي قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً، ومَن صام فيه يوماً واحداً كُتبت لـه براءته من النار…
وقال أبو مالك القرطبي: في كتاب اليهود الذين لم يُغيَّر (لم يُحرف): إن الله تعالى خلق الأرض فنظر إليها، وقال: أنا واطئٌ على بُقعتِك، فشمخت الجبال، وتواضعت الصخرة، فشكر الله لها، وقال: هذا مقامي وموضع ميزاني وجنتي وناري ومحشر خلقي.."(1).
لقد جذبت تلك المنظومة الرمزية المقدسة خيال الصوفية، وبالأخص رحلة الإسراء والمعراج، التي ربطت بين عقائد التوحيد من ديانة إبراهيم الخليل حتى محمد ( وأشارت بإحدى دلالاتها على أن محمداً خاتم الأنبياء ووريثهم، وذلك حين أمَّ الأنبياء جميعاً بجوار الصخرة على أرض الحرم، كما ربطت تلك الرحلة ما بين مكة، والمدينة، وبيت المقدس في رباط مقدس يمتد في نهايته السحيقة إلى سدرة المنتهى، فضلاً عن أنها أضفت معانٍيَ قدسية هائلة لأرض (المسجد الأقصى)، إذ انفتح من عليه درب الاتصال إلى السماء، فأذهل هذا المعراج/ المعجزة خيال المتصوفة المسلمين لاحقاً، فباتوا يتقاطرون إلى القدس للتبارك، ولمحاولة استعادة، ولو من الدرجة الثانية، للحظة العروج تلك، والتي مثَّل فيها النبي ( دور (القطب ين الرمادي واللهب القدسي).
جمع المسلمون، فيما تضمّنه الإسراء والمعراج، بين الرمز القديم للمكان، أو الحيز المقدس، وبين التوجه الأحدث نحو الشخصية المقدسة الصالحة، حيث أصبح بإمكان البشر والأماكن إيجاد الصلة بين ما هو سماوي وما هو دنيوي(2)، وصارت لقصة الإسراء والمعراج إيحاءاتها الأكثر تجسداً بعد أن بنيت قبلة الصخرة في العهد الأموي، وارتفعت شاهقة في التعالي، تظلل الصخرة التي عرج من فوقها النبي (، فانجذب المتصوفة المسلمون إلى جوارها، وتحلقوا حولها.
كانت فكرة أن القرآن "كلام الله" قد أذهلت الصوفيين، فخاضوا تجربة استرجاع تلك اللحظة التي بلَّغ فيها جبريل هذا الكلام للنبي (، وقد عبَّر الإمام جعفر الصادق عن هذه التجربة، حيث يُروى عنه أنه خرَّ مغشياً عليه وهو في الصلاة، فسُئل عن ذلك، فقال: "مازلت أردّد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها"، ويعلق الإمام الغزالي على تجربة الصادق "فالصوفي لما لاح لـه نور خاصيته التوحيد، وألقى عند سمعه عند سماع الوعد والوعيد، وقلبه بالتخلص عما سوى الله تعالى، صار بين يدي الله حاضراً شهيداً، يرى لسانه لسان غيره في التلاوة"(3).
وبالتوازي، مع هذه التجربة مع "كلام الله"، فإن الكثير من الصوفيين الذين انبهروا بلحظة (الإسراء والمعراج) جربوا، وهم يدورون حول الصخرة وتحت قبتها، استرجاع لحظة الإسراء والمعراج النموذج الأصيل لخبرتهم الروحانية الخاصة، حيث رأوا كيف فقد محمد ( ذاتيته وهو مُنتش في الحضرة الإلهية، ورأوا في ذلك "الفناء" مقدمة لـ"بقاء" تسمو فيه الإنسانية سمواً تحقق فيه ذاتها، فهرع الصوفيون إلى القدس، متخذين من أروقة الأعمدة حول الرصيف والتحلق حول الصخرة مسكناً، كي يُتاح لهم تأمل رموز القبة التي بدأ منها الرسول معراجه(4)، كما رغب الكثير من الصوفية أن يقضوا بقية حياتهم، وأن يدفنوا في بيت المقدس، طالما أن القدس أقرب نقطة من الأرض إلى السماء، هي أرض المحشر والمنشر، والموت فيها يعادل الموت في السماء، حسب بعض الأحاديث النبوية، ويذكر ابن الجوزي عن وهب بن منبه قوله: أهل بيت المقدس جيران الله، وحق على الله أن لا يعذب جيرانه، ومن دفن في بيت المقدس نجا…(5).
آ ـ الصوفية
تضرب الصوفية جذورها إلى ظاهرة الزهد، التي اتصف بها أغلب الصحابة والتابعين، وبالأخص من سمي منهم بأهل الصفة، حيث كانوا ينقطعون للعبادة في "صفّة" بناها النبي لهم في مسجده، وهم خلاصة أصحاب الرسول، مرابطين في "صفّة" المسجد لإمداد جيوش النبي، وكان منهم مندوبو الرسول لتعليم الدين في سائر الأمصار، وهم معلمو القرآن، وفيهم خيار المؤمنين، ويضم هؤلاء الزهاد فيما بينهم: الخلفاء الراشدين، والمؤذن بلالاً، وأبا ذر، وسلمان الفارسي، وصهيب، وأبا هريرة، وعبد الله بن عمر، وعمار بن ياسر، وعاصم الأنصاري، وعمير بن سعيد، وأصحاب بيعة العقبة، وشداد بن أوس، وتميماً الداري، وغيرهم من التابعين كسفيان الثوري، وإبراهيم بن الأدهم، والفضل بن عياض، وذي النون المصري..(6).
بدأت حركة الزهد هذه، في القرن الأول الهجري، حركة انكفائية، وموقفاً أخلاقياً تطهيرياً تجسد في سلوك أبي ذر، لتمضي في تطورها في المنتصف الثاني للقرن الأول الهجري، وتتجلى في مذهب زهاد الكوفة، والبصرة ومصر، احتجاجاً ضد ثراء البلاط الأموي(7)، وعند نهاية القرن الثاني الهجري، تحولت السلوكية الزهدية إلى نواة لمنهج التأويل الصوفي، مع رابعة العدوية (ت 801 م)، ومعروف الكرخي (ت 815 م)، إذ ندخل عندها عتبات الصوفية، حيث تقدم رابعة مفهوم "الحب الإلهي"، كما يقدم الكرخي مفهوم "المعرفة الذوقية" التي تقود إلى الله(8)، ولقد أجمع المتصوفة، الذين مزجوا، فيما بعد، تصوفهم بالفلسفة، على أن المقصد المشترك بينها (الاتحاد، أو الفناء، أو التوحد بالتعالي)، ولقد تفرعت الصوفية إلى اتجاهات كان أهمها: مدرسة بغداد ـ المحاسبي (243هـ)، والجنيد (298هـ)، والسقطي (253 هـ)، لتبلغ مع الحلاج (926 م)، والسهروردي (1191 م)، وابن عربي (1240 م)، فلسفة الإشراق والإلهام ذروتها القصوى(9)، وبموازاة ذلك، وبعده، تفرعت إلى طرق، لكل منها طقسها الخاص، وزواياها ورباطها.
ب ـ الزهاد وأهل الصفّة في القدس
تجلّى تعلق الفاتحين المسلمين بالقدس بصورة صريحة، عند وقوفهم قبالة أسوارها، مستندين إلى المعاني المقدسة التي حملها دينهم نحوها، فكانوا يتسابقون للمشاركة في شرف فتحها، حيث إنهم حين قاموا للصلاة قبالتها "أذّن، وصلَّت الناس صلاة الفجر فقرأ يزيد بن أبي سفيان لأصحابه (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا( (المائدة: 21)، فيقال: "إن الأمراء أجرى الله على ألسنتهم في تلك الصلاة أن قرؤوا هذه الآية، كأنهم على معياد واحد"(10)، ولقد تقاطر إليها في أثناء الفتح، وبعده، كثير من الصحابة والتابعين، ومنهم الزهاد وأهل الصفة، الذين يعدون بشائر الصوفية، ولقد حرصت كتب التاريخ الإسلامي، وكتب "فضائل القدس" على ذكر الصحابة والتابعين، الذين زاروا القدس، أو ماتوا فيها، للتبرك في زيارتها، أو للدفن فيها.
يقف في مقدمة هؤلاء، الذين زاروا القدس، الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، إذ قدم إليها في أثناء الفتح، وأعطى العهدة لبطريرك القدس صوفرونيوس، ودخلها أبو عبيدة بن الجراح (ت 18 هـ) قائداً لجيوش الفتح عند دخولها القدس، ومن ثم توفي وهو في طريقه لزيارتها للمرة الثانية، يريد الصلاة في المسجد الأقصى، دُفن غربي نهر الأردن(11)، كما زارها مؤذن الرسول بلال بن رباح (ت 19 هـ)، وأذن فيها أول أذان لـه بعد وفاة النبي (، فعندما حضرت الظهر، بعد فتح بيت المقدس، طلب عمر بن الخطاب من بلال أن يؤذن للصلاة، وكان بلال قد توقف عن الأذان من يوم وفاة النبي ( فقال: "يا أمير المؤمنين، أما والله ما أردت أن أؤذن لأحد بعد رسول الله ( ولكن سأطيعك اليوم، في هذه الصلاة وحدها"(12)، كما دخلها مع الفاتحين خالد بن الوليد (ت 21 هـ)، ويزيد بن أبي سفيان (ت 18 هـ)، وبويع فيها معاوية بن أبي سفيان خليفة للمسلمين، وقدم سعد بن أبي وقاص بيت المقدس، وأحرم منها، كما قدم إليها سعد بن زيد بن عمر بن نفيل، وذلك زمن الفتح، وتوفي بالبقيع، فقد أتاها بعض الصحابة وذلك بغرض أن يستهل حجة بعمرة إلى بيت المقدس، أو أن يحرم منها إلى بيت الحرام، وذلك تلبية للحديث النبوي القائل [من أهلَّ بحجة أو بُعمرة من المسجد الحرام غفر لـه ما تقدم من ذنوبه، وما تأخر، أو وجبت لـه الجنة"(13)، فقدم عبد الله بن عمر بيت المقدس، وأهلَّ منه بعمرة، وقيل إنه قدم إليه بعد صلاة الصبح، فجلس في المسجد، حتى إذا طلعت الشمس، قام فصلى ركعات هو ومن معه، ثم قعدوا إلى رواحلهم، كما قدم عبد الله بن عباس، فأهلَّ من بيت المقدس في الشتاء(14)، وقدمت صفية بنت حيي، أم المؤمنين، بيت المقدس، وصعدت طور زيتا، وصلَّت فيه، وقامت على طرف الجبل، فقالت: من هنا يتفرق الناس يوم القيامة إلى الجنة أو النار.
يقف في مقدمة الزهاد، وأهل الصفة، الذين حرصوا على زيارة بيت المقدس، أبو ذر الغفاري، ومعاذ بن جبل، وعياض بن غنم، وعبد الله بن سلام، وأبو هريرة، وأبو مسعود الأنصاري، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وتميم الداري، إذ أقام أبو ذر الغفاري/ جندب بن جنادة، في القدس وقضى فترة إقامته فيها في الركوع والسجود، ثم ارتحل إلى المدينة، وتوفي في الربدة في آخر خلافة عثمان بن عفان، وأن معاذ بن جبل الأنصاري أتى بيت المقدس، وأقام بها ثلاثة أيام ولياليها يصوم ويصلي، فلما خرج منها، أقبل على أصحابه فقال: أمَّا ما مضى من ذنوبكم فقد غُفر لكم، فانظروا ما أنتم صانعون فيما بقي من أعماركم، كما قدم إليها أبو هريرة/ عبد الرحمن بن صخر (ت 42 هـ)، الذي شهد الفتح من قبل، وهو الذي روى حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.."، كما زارها عياض بن غنم (ت 20 هـ)، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري (ت 70 هـ) الذي لازم معاذ بن جبل منذ أن بعثه النبي إلى اليمن، كما روي أن أبا مسعود الأنصاري/ عقبة بن عمرو الأنصاري (ت 39هـ)، إنه عندما أتى إلى القدس، ودخل المسجد الأقصى، فرآه الناس واتبعوه، فقال: ما حاجتكم؟ فقالوا: جئنا نسلم عليك ونسير معك، لأنك صاحب رسول الله (.
وأقام في القدس عدد من الصحابة الزهاد، إلى أن ماتوا ودفنوا فيها، أمثال: عبادة بن الصامت الأنصاري (ت 34 هـ)، الذي كان نقيباً، وشهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدراً والمشاهد كلها، ولاه عمر بن الخطاب قاضياً على الشام ومعلماً، وولي قضاء فلسطين، ثم قاضياً لبيت المقدس، وروي أنه شوهد وهو يبكي على سور بيت المقدس الشرقي، فسئل: وما يبكيك يا أبا الوليد؟ فقال: من هاهنا أخبرنا النبي ( أنه رأى جهنم، أقام في بيت المقدس، وتوفي في الرملة، إلا أنه دفن في القدس، كذلك أقام فيها شداد بن أوس إلى أن قضى، ودُفن فيها، وهو الذي روى الحديث النبوي: [أن الشام ستفتح، وبيت المقدس سيفتح]، ويقال إن قبره في مقبرة الرحمة، كما دفن، في بيت المقدس، وائلة بن الأسقع (ت 85 هـ)، وذو الأصابع التميمي، الذي قال لـه النبي: [عليك ببيت المقدس]، وفيروز الديلمي(15).
ج ـ التابعون الزهاد
وقصد بيت المقدس الكثير من التابعين الزهاد للتبارك بها، يذكر الأوزاعي: كان قبيصة بن ذؤيب، وعبد الله بن محيريز، وهانئ بن كلثوم، يحضرون "للصلاة" من الرملة إلى بيت المقدس، قلت: هؤلاء كلهم عُبَّاد زهّاد، فقبيصة، كان عالماً ربانياً، مات سنة 86هـ، وابن محيريز، نزل ببيت المقدس، قال رجاء بن حيوة: إنْ فَخَر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فإنا نفخر بعابدنا ابن محيريز، إنما كنت أعدُّ بقاءه أماناً لأهل الأرض(16)، وزارها أيضاً محارب بن دثار، الذي قيل عنه: غلبنا على ثلاث، على قيام الليل، والبسط في النفقة، والكفِّ عن الناس، وفي رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود: فَضَلنا بكثرة الصلاة، وطول الصمت، وسخاء النفس، وزارها محمد بن واسع (ت 127 هـ) من البصرة، وكان من الزهاد، الذي قال: إن كنتَ لا تعقل فاحذر الدنيا، فإن كنت لا تحسن أن تحذرها، فاجعلها شوكة، وانظر أين تضع رجليك(17).
د ـ متصوفة القرن الثاني الهجري
وأشار مؤرخو الصوفية إلى أن أبرز أعلامها في القرن الثاني الهجري ـ الثامن الميلادي، رابعة العدوية، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والفضل بن عياض، وإبراهيم بن الأدهم، ويحيى بن دينار، وسعيد بن المسيب، ويضمون إليهم الإمام الشافعي لأنه صحب الصوفية سبعة عشر سنة من عمره، وكذلك الإمام الأوزاعي للسبب نفسه(18)، وعندما تتفحص سيرة هؤلاء، الذين أرسوا أسس التصوف الإسلامي، نجد أغلبهم حرصوا على زيارة بيت المقدس، للتبارك في رموزها المقدسة المختلفة.
رابعة العدوية (ت 180 هـ):
كانت حسب ابن خلكان من أعيان عصرها، ويقول آخرون أنها ولدت من أسرة فقيرة وأنها لما كبرت، توفي والدها، وهي لا تزال في ريعان الصبا، حدث في البصرة قحط، فهامت وأخواتها الثلاث على وجوههن، فأسرها أحد الرجال وباعها لرجل آخر أثقل عليها العمل.
وذكر العطار كيف هبطت عليها رسالتها الروحية، فيقول: إنها ذات يو
المزيد