إسرائيل والقدس.. من معركة الجغرافيا إلى الديموجرافيا
محمد جمعة
هل تصبح القدس المحتلة مدينة لليهود فقط؟
من الخطأ النظر إلى عمليات سحب “الهوية” من “المقدسيين” والتوسع في سياسة هدم المنازل، والتي تباشرها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في هذه الآونة على أنها مجرد رد فعل على تزايد العمليات الفدائية في مدينة القدس، لكنها من منظور أكبر تمثل إحدى تجليات “معركة الديموجرافيا” في القدس، تلك المعركة المستمرة منذ استيلاء إسرائيل على الجزء الشرقي من المدينة في عام 1967 وحتى الآن.
ومنذ يوليو الماضي وقعت أربع عمليات (ثلاث منها في شهر واحد فقط) أسفرت عن مقتل 13 إسرائيليا وإصابة أكثر من ثمانين شخصا آخرين، كان آخرها تلك العملية التي وقعت في شارع يافا المركزي مساء يوم 22 سبتمبر 2008.
بيد أن هذه الإجراءات الإسرائيلية تسبق تلك العمليات من الناحية الزمنية، وتندرج ضمن المخطط الإسرائيلي الممتد لإحداث تغيير جذري على صعيد الديموجرافيا في القدس، بعد أن تم حسم المعركة تقريبا لصالح الاحتلال الإسرائيلي على صعيد الجغرافيا.
الشاهد على ذلك أن إسرائيل أقدمت على سحب هويات 1363 فلسطينيا مقدسيا خلال عام 2006 فقط، وهو عام لم تشهد فيه المدينة عملية واحدة ضد إسرائيل، فضلا عن أن حكومة أولمرت ومنذ 27 نوفمبر 2007، أي منذ مؤتمر أنابوليس وحتى الآن، قررت بناء 4486 وحدة سكنية في الضفة الغربية، 95% منها في القدس وحدها، وطرحت بالفعل عطاءات لبناء 2178 وحدة، منها 85% في القدس، وذلك وفق تقرير لدائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية.
والأهم من هذا وذاك أن الكنيست الإسرائيلي أقر في 4 يونيو الماضي (أي قبل وقوع أول عملية بـ 26 يوما) قانونا يقضي باعتبار “القدس” عاصمة لـ “الشعب اليهودي”، وليس فقط عاصمة لإسرائيل!! ومعنى ذلك القانون هو أن الـ 252 ألف فلسطيني من سكان القدس هم مقيمون فقط وليسوا مواطنين، فالقاعدة بحسب القانون الجديد أنه: “لا حق لأحد من غير اليهود في القدس”، حتى ولو كان يحمل الهوية الزرقاء “الجنسية الإسرائيلية”.
وفوق ذلك فإن القانون الجديد يعكس إصرار الحركة الصهيونية على جعل اليهودية قومية، وبالتالي يعطي الحق في “القدس” لكل يهودي، بغض النظر عما إذا كان مواطنا إسرائيليا أم لا، أو إذا كان يعيش في إسرائيل أم لا!
من هنا يصبح استهداف المقدسيين والتضييق عليهم سياسة إسرائيلية ثابتة، لا تتغير حتى ولو لم ينخرط المقدسيون في عمليات ضد إسرائيل، بل حتى لو قرروا مسالمتهم لها، وسلموا بالعيش في كنف الاحتلال.
وإذا كانت ثمة معركة ديموجرافية بين إسرائيل والفلسطينيين داخل حدود فلسطين التاريخية بشكل عام، فإن هذه المعركة داخل مدينة القدس تكتسب أهمية خاصة، ولهذا تختلف التدابير الإسرائيلية فيها عن تلك التي تباشرها في بقية المناطق.
ففي غزة مثلا، آثرت إسرائيل في نهاية الأمر الانسحاب من جانب واحد، كي تتخلص من 40% من العبء الديموجرافي الفلسطيني، وبأقل كلفة على صعيد الجغرافيا (1% من الأراضي المحتلة)، كذلك تبدي إسرائيل استعدادا تاما للتخلي عن منطقة “المثلث”، وضمها إلى أراضي السلطة الفلسطينية، وذلك ضمن خطة تبادل الأراضي والسكان بين مناطق الضفة الغربية ومناطق داخل الخط الأخضر، مفضلة بذلك -أي إسرائيل- اعتبارات الديموجرافيا (التخلص من 200 ألف عربي هم سكان المثلث) على اعتبارات الجغرافيا (توسيع خصر إسرائيل النحيل في محور “الخضيرة” - ناتانيا).
أزمة ديموجرافيا يهودية في القدس
وتشير معطيات لمؤسسة القدس الدولية في بيروت إلى أن نسبة السكان الفلسطينيين في القدس في تزايد
المزيد